الاثنين، 9 ديسمبر، 2013

لماذا لاتهاجر معي؟

يقصد الناس المدن الكبيرة والمزدحمة لمقاصد مختلفة منها توفر فرص العمل ومنها في بعض الأحيان توفر بعض المراكز العلاجية المتخصصة أو الجامعات المتقدمة حيث أصبحت المدن المزدحمة وجهة من لاوجهة له، يهرب إليها بعض أهل القرى والمحافظات الصغيرة سعياً وراء الانخراط في الحياة المدنية الحديثة المملوءة بالفرص والمغامرات في بعض الأحيان، ولكن في أحيان أخرى تصبح هذه المدن المزدحمة نقمة على سكانها بسبب مايعانونه من ضياع الوقت في التنقلات من مكان إلى آخر وهذا بالطبع لايأخذ الوقت فحسب بل والجهد أيضاَ، ولعلي في هذه التدوينة اوجه نظر القارئ الكريم إلى بعض الأمور التي ربما لاينتبه لها في تمسكه بالحياة في المدينة المزدحمة فضلاً عن المدن الصغيرة أو المحافظات.
من أهم ما يفتخر به من يسكن المدينة ولنفترض هنا مدينة الرياض والتي عشت فيها طول عمري باستثناء سنوات الابتعاث، فمن أهم مايفتخر به من يعيش في الرياض هو قربه من الوزارات والجامعات والمستشفيات المتخصصة والمتقدمة ووجود الأسواق المركزية المتنوعة التي تجلب المنتجات من شتى أنحاء الأرض، لكن دعني اسألك هذا السؤال، كم مرة في السنة تزور هذه الوزارات؟ هذه الجامعات؟ هذه المستشفيات؟ ليس الجميع بالطبع سيجيب نفس الإجابة ولكن لا أشك أبداً أن معظمهم لن يزور في العام إلا وزارة أو وزارتين، ولن يحتاج إلا لجامعة واحدة في حياته لفترة محدودة من عمره، وأتمنى أنه لايحتاج أيضا لهذه المستشفيات وإذا فرضنا أنه يزور أحدها فهو لن يزورها كلها، فالرياض مليئة بالناس ولكنهم لايستخدمون كل هذه الخدمات، فعلى سبيل المثال، اظنك لن تحتاج لمكتب الجوازات إلا ليوم أو يومين في السنة، وقد تمر من جانبه يومياً في الصباح وتتأثر بالازدحام الذي يصنعه ذلك الفرع الموجود في طريق الملك فهد، هناك مدن صغيرة أخرى فيها فروع للوزارات وللجوازات وفيها مستشفيات وجامعة صغيرة أيضاً ربما تكون أفضل لك للعيش من البقاء في هذا المكان المزدحم، لن اتوقع كم تقضي من الوقت في سيارتك يومياً إن كنت تقود سيارة، ولكن سأترك تلك المهمة لك وأخبرك أنك تقضي اضعاف مايحتاج أي شخص يسكن في مدينة صغيرة للانتقال من مكان إلى آخر، ربما أنك تمتلك تلك الحجة التي يقولها لي الكثير من الناس، أن فرص العمل في الرياض تزيد على فرص العمل في المدن الصغيرة، لا اختلف معك، ولكن لن تختلف معي أيضاً في أن تكلفة إيجار مسكنك أو تملكه في المدينة الصغيرة قد تصل إلى اقل من نصف تلك التكلفة لو قستها بمدينة الرياض، لقد تهربت من الإجابة على موضوع فرص العمل وذلك لأن الأرزاق بيد الله سبحانه والقراء مختلفون فمنهم من يعمل في جهة عمل لديها فرع في مدن صغيرة ويستطيع الانتقال ومنهم من يعمل في جهة ليس لديها إلى فرع واحد في الرياض فربما يصعب عليه الانتقال، ولكن على أي حال أنا هنا فقط اقدم لك بعض النقاط التي تساعدك على إعادة النظر للوضع الذي نتوقع أن يحدث لو انتقلت فعلياً إلى مدينة صغيرة.
ابنك في المدرسة سيكون في فصل ذو عدد طلاب أقل، ومعلمين معظمهم لايعانون من مشاكل التنقل وذلك سينعكس إيجابياً على ادائهم تجاه ابنك، ستجد أن لديك المزيد من الوقت للراحة أو العمل الإضافية أو الجلوس مع الأسرة أو غيرها من الأنشطة التي تود ممارستها، كل ذلك سيكون على حساب الساعات الإضافية التي تقضيها في مشاويرك في الرياض بسبب الازدحام العنيف، لاتنس أيضاً أن الازدحام يؤثر سلباً على قيادة السائق وردة فعله وتركيزه ولذلك ففي المدينة الصغيرة لن ترى تلك المشاهد السيئة من الممارسات الخاطئة اثناء القيادة كما تشاهدها في المدينة المزدحمة، بل ستقضي بعض مشاويرك في المدينة الصغيرة في شوارع لايقود فيها إلا أنت في بعض الأحيان، وهذه نعمة لاتقدر بثمن.
الهجرة إلى المدن الصغيرة أو مايسمى بالهجرة العكسية أصبح مطلباً في بعض الأحيان لبعض الأشخاص الذين عانوا من الضغوطات في المدن المزدحمة وأتوقع أن يعود عليهم بالفائدة، خصوصاً إذا جاءت هذه الهجرة برغبة وتفهم للفارق الإيجابي الذي يرجح لكفة المدن الصغيرة.
انتقلت خلال السنوات الثلاث الماضية بين مدن صغيرة وكبيرة واكتشفت أني كنت تائهاً عن المدن الصغيرة فهي نعمة عظيمة، فيها نعمة الهدوء والبعد عن ضياع الأوقات في المشاوير، ويتميز الناس الذين يعيشون في المدن الصغيرة بإنهم متعاونون ويقدمون المساعدة وفي صالات الانتظار يفضلون الحديث مع الغرباء بينما في المدن الكبيرة وجدتهم مشغولون وكل شخص في طريقه ليس لديه الوقت الكافي لأن يتحدث إلى من بجانبه أو أن يبذل المساعدة للآخرين فضلاً عن أن يتذكر أن يبتسم، ربما نظرتي سوداوية تجاه المدن الكبيرة، ولكن في الحقيقة بعد تجربتي أتمنى أن لا أعود مرة أخرى للعيش في مدينة مزدحمة، هنيئاً لكل من يعيش في مدينة غير مزدحمة.
هل تعيش في مدينة صغيرة أم كبيرة؟ وهل تفكر في الانتقال إلى النوع الآخر من المدن؟ ولماذا؟

هذه التدوينة كتبتها للمشاركة في مسابقة المدون الرائع عبدالله المهيري